اولا: ماهو الوسواس القهري
الوسواس القهري هو نوع من الاضطرابات العقلية تجعل المصاب يشعر ان هناك فكرة معينة ترافقه دوما، وتشغل جزءا من وعيه ولايمكنهم تجاوزها أو التخلص منها كحاجتهم للتحقق من شيء بشكل مستمر أو غسل أيديهم بافراط.
بالرغم من وعيهم بغرابتها وعدم جدواها، ويشعرون بالتوتر والقلق اذا قاوموا ذلك ويجعرون بالحاح شديد داخلي لفعل ذلك.
يرتبط الوسواس القهري عادة بتشنجات شديدة، اضطرابات توتر وقلق، ومخاطر انتحار عالية.
الأسباب والخلل العصبي في الدماغ:
•أظهرت بعض الدراسات وجود بعض الجينات المتأثرة والمرتبطة باضطراب الوسواس القهري ، عادة الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب لديهم على الأقل شخص واحد مصاب في العائلة لديه نفس الاضطراب.
•أدمغتنا هي عبارة عن أجهزة، وهذا هو اضطراب عصبي، وعندما يحدث عطل في اداء الدائرة العصبية بين القشرة الجبهية الحجاجية والعقد القاعدية، يرتفع نشاط القشرة الجبهية الحجاجية عند التعرض لشيء مقلق أو مزعج، فترسل اشارات للعقد القاعدية فتقوم هذه العقد شيء لتقليل هذا التوتر وعندما ينتهي تقول للقشرة الجبهية الحجاجية "حسنا انتهينا هنا، بطاقة ولا كاش؟!"، المفروض عندما تستقبل هذه القشرة اشارة أن المشكل تم حلّه، ينخفض نشاطها.
لكن في حالات هذا الاضطراب هذه الدائرة أو التواصل بينهما يختل فتبقى القشرة الجبهية الحجاجية في نشاط عالي كما لو أن الشيء المزعج لا يزال موجودا.
فيبقى الأشخاص المصابين يكررون الفعل الذي من المفروض أن يطمئنهم، يبقون عالقين في هذه الدائرة من المخاوف والاحتمالات .
وحتى على الرغم من أنهم واعون بأن هوسهم ليس منطقيا، لا يمكن أن يقتنعوا أنه ان لم يفعلوا ذلك نوع من الكوارث سيحدث.
كلما استجابوا لهذا الهوس كلما أصبحت هذه الدائرة في عقوله أقوى، ويزيد الاضطراب على المدى الطويل لدرجة أن يدمر حياة المتأثر والمصاب به، لدرجة أنه لا يمكنهم العيش.
فيبقى الشخص سجين هوسه حول فكرة معينة.
لكن بالطبع الوسواس درجات، وليس كل الأشخاص عليهم الوصول لهذا المستوى من الاحباط وعدم التكيف.
واقع العلاج ونسب النجاح:
حاليا، 70% من مرضى الوسواس القهري يتجاوبون بشكل ايجابي للخط الأول من العلاج.
حيث يوجد علاج دوائي و اخر نفسي وهناك من يمزج بينهما.
تجارب واقعية وحالات من المراهقين (برنامج 2013)
في سنة 2013، قدم تلفزيون مجموعة من المراهقين المصابين بهذا الاضطراب وتابعوا تطورات وضعهم خلال خصوعهم لمعالجة مكثفة لمساعدتهم على التخلص من هذه الأفكار والسلوكيات المتكررة غير المرغوب فيها.
كانت من بينهم فتاة في 17، وكانت لديها حاجة قهرية الى أن تضرب بكف يدها على كل سطح تمر به. اذا لم تستطع ذلك، فإن أفكارا مخيفة تجتاحها وتتخيل أن أسرتها سوف تموت.
وكان اخر يعاني من حاجة شديدة الى فعل كل شيء بجانبي جسده معا: يصافح شخصا بيده اليمنى ثم يصافحه باليسرى، يتناوله طعامه باليد اليمنى ويتناوله بيده اليسرأ، يخطوا داخلا بقدمه اليمنى ثم الأخرى وهكذا، وإن لم يوازن بين جانبي جسده فانه يصاب بنوبات ذعر رهيبة.
وهناك اخر مصاب برهاب الجراثيم الذي يرفض الخروج من البيت قبل وضع القفازين، ولا يشرب الماء قبل غليه ولا يقبل أن يأكل طعاما لم ينظفه أو يعده بنفسه.
الخطة العلاجية والمواجهة النفسية
كان أول مافعله المعالجون النفسيون هو اخبار أولئك المراهقين بأن عليهم تقبّل المشكلات الناجمة عن اضطراباتهم القهرية.
وهذا كأن تتقبل الفتاة الأولى الأمر اذا انهالت عليها تلك الأفكار وأنها لا تملك شيئا لفعله حيال ذلك، لقد قيل لها بأنها غير ملامة في مايحدث لها.
كما أرغم الثاني على القبول بأن موازنة أفعاله كلها لجعلها متساوية ليست الا تدميرا لحياته على المدى الطويل أكثر مما تدمرها نوبات الذعر تلك من حين لاخر.
وتم تذكير الثالث بأن الجراثيم موجودة دائما وأنه معرض لها باستمرار بصرف النظر عما يمكن أن يفعله.
كان ذلك بمثابة تذكيرهم بأن أفكارهم غير عقلانية فرغم وعيهم بها فان ذكرها تجعلهم أكثر ادراكا بها، وأنهم بتلبية هذه الأفكار يلحقون الأذى بأنفسهم.
تحمل المسؤولية والنتائج المحققة
ثم قاموا بتشجيع أفراد المجموعة على اختيار أفكار وقيم أفضل من التي فرضها عليهم الاضطراب.
فصارت الأولى مسؤولة عن التحكم بأفكارها وأحاسيسها، وكذلك أن تكون سعيدة من جديد.
أما الثاني فصار مسؤولا عن عدم اعتبار نفسه مضطرا الى اخفاء اضطرابه طيلة الوقت عن أصدقائه وأفراد أسرته لأن ذلك هو سبيله الى امتلاك حياة اجتماعية طبيعية.
وأما الأخير فكان مسؤولا عن القدرة على الخروج من بيته لفترات أطول من الوقت من غير أن يعاني من نوبات وسواسية مؤذية.
وبعد توالي نوبات الذعر والدموع الكثيرة، وكان ذلك الفتى يصطدم بكثير من الأجسام فيغسل يديه على الفور، ومع نهاية البرنامج تحقق تقدر كبير، لم تعد الفتاة بحاجة الى التربيت على كل الأسطح وقالت "لا تزال هنالك وحوش مختبئة في عقلي، ولعلها ستظل هناك دائما، لكنها صارت أكثر هدوءا"، وصار الثاني قادرا على البقاء بالخارج أكثر من 30 دقيقة دون الموازنة بين جانبي جسده.
وأما الأخير والذي حقق أفضل تقدم فصار قادرا على الخروج الى المطاعم وتناول الطعام والشرب من زجاجات وكؤوس لم يغسلها بنفسه، حيث يلخص ماتعلمه ويقول "أنا لم أختر هذه الحياة ولم أختر هذه الحالة المخيفة حقا، لكن علي أن أختار كيف أتعايش معها؛ نعم علي أن أختار كيف أتعايش معها"
هذا عندما يكون الأشخاص مقتنعين من هذا الاضطراب ويكرهون الشعور ويريدون التخلص منه وهذا يساعد في العلاج.
ثانياً: اضطراب الشخصية القهرية
لكن ماذا لو كان هؤلاء الأشخاص مقتنعين أن هذا شيء مرضي؟ وأنه لا يرقفهم من حياتهم بل وفخورون به؟
حسنا هذا ليس مرضا عصبيا أو اضطراب وسواس قهري.
انه خلل في شخصيتهم ككل، ويعرف ب"اضطراب الشخصية"
الشخصية هي نظرتنا للحياة، وفي هذه الحالة الوسواس ليس اضطرابا نحاول معالجته ونحنا لسنا مقتنعين به حتّى، ولسنا مقتنعين بأنه مشكل حتى!
الأمر يبدو كما لو أن العالم في حالة فوضى وأنت من سيقوم بترتيبه.
فكيف اذا سنعالج شيئا لا نؤمن بوجوده؟! حسنا الأمر هو....أنني لا أعلم..
يسمى هذا ب **اضطراب الشخصية القهرية**
حالة دراسية: ستيف جوبز والهوس بالتفاصيل
هل تعرف ستيف جوبز؟ هو مؤسس شركة أبل، حسنا هو مصاب أو دعنا نقل لديه اضطراب الشخصية القهرية
وكان لهذا أثر كبير عليه بالرغم من أن أحسن شيء للبعض هو أن شركة أبل تهتم بالتفاصيل.
يقال أنه في احدى المرات بعد أخذ مدة طويلة تمكن أحد العملاء من جمع وتركيب أول نسخة من الماك فذهب بها الى مديره (ستيف جوبز) سعيدا بانجازه، لكنه تفاجىء بغضب ستيف والسبب؟ أن المسامير لم تكن في سطر واحد، فأمر باعادة تركيبه من جديد وأخذ مدة طويلة أخرى (قام بتفكيكه واعادة تركيبه من أجل مسامير فقط) ولربما لم تكن واضحة حتى.
نسب الانتشار والعوامل الجينية
في الواقع هذا الاضطراب ليس بالشيء النادر، فهو يصيب من 2 الى 8% من الأشخاص، حوالي 1 ضمن 12 شخصا، وهو يؤثر على الرجال أكثر من النساء.
وبطريقة ما فان أول سبب قد يكون مرتبطا به هو العائلة وأحيانا الجينات.هذا وفقا لعدة دراسات
في عام 1989 أكدت دراسة أنه مابين 27% و 78% من الأسباب هو سبب جيني، وليس جيني واحد بل الكثير من الجينات المختلفة.
مثلا يمكن أن يكون لديك جينات تحمل اضطراب الشخصية القهرية لكن هذه الجينات لا تعبر عن نفسها بعد وقد يصابون بطفرة ويتغيرون.
دور البيئة والتربية الأسرية
لكن لا تقلق الشخصية أكثر من مجرد جينات وهنا الأمر حول البيئة.
اذا أعطت العائلة حبا مشروطا بالانجازات، هذا الشخص بهذه الجينات سيبدأ بالشعور بالهوس "أحتاج أن أتصرف لأكون محبوبا".
وتبعا لدراسة تحت عنوان "تصورات الترابط الأبوي" حتى لو لديك أبوين متسلطان وناقدان ليس بالضرورة أن تصاب بهذا الاضطراب في الشخصية لو كانت علاقتهم بطفلهم قوية بما يكفي.
أيضا من الضروري القول:
أنه ليس كل من لديه هذه الجينات وعاش في بيئة قاسية مع أبوين قاسيين وتعرض للتنمر من المجتمع سيصبح هكذا.
مثلا، بعض منهم يمكن أن يتحول الى "شخصية تابعة لإرضاء الناس" ،قد يكونون جيدين جدا لدرجة أنهم لا يستطيعون قول "لا"، لا يمكنهم وضع حدود مع الناس لأنهم عليهم دائما ارضاؤهم!
بالمختصر: "لن يصبح الجميع متماثلين تماما فقط بسبب الجينات و البيئة.
فرص العلاج ونقاط القوة للمريض
ودعني أخبركم شيئا، اضطراب الشخصية القهرية مقارنة باضطرابات الشخصية الباقين هو الأكثر معالجة.
سواء بالدواء أو بدونه.
لأنه اذا كانت الصفات الجيدة كالاصرار والعزم والرغبة في الكمال مستخدمين في علاجهم فانهم سيتحسنون بسرعة، فعندما يشعرون أنهم غير مكتملون ويحتاجون للعمل على أنفسهم ليكونوا أقرب للكمال سيكون علاجهم فعّال، وسيكونون مرضى جيدين اذا اتبعوا القواعد وتعرّفوا على المرض.
إدمان الإنجاز وتأثيره على نظام المكافأة العصبي
لكن مشكلهم الرئيسي مع اضطراب الشخصية القهرية هو أنه يصبح جزءا منهم، ويصبح طريقهم الوحيد ليملؤ
فراغا قديما.
أحد الأطباء النفسيين أنه "تستمر السلوكيات القهرية لأن المريض بحد ذاته هو من يواصل ترسيخهم"
مثلا، محاولة تحسين صورتك في عينيك من خلال انجازاتك.
فهنا أنت تطعم هوسك بمحاولة اثبات قيمتك بدلا من الشعور بالاكتفاء.
ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الى مشكلة ضخمة فتصبح "مدمن انجازات" كما لو أنك تعيش على الانجازات بدلا من الأوكسجين.
أظهرت دراسة أخرى أن أي سلوك تفعله بسبب الحاح نفسي يمكن أن يغير عمل جهازك العصبي أو بالضبط "نظام المكافأة" لديك، هذا عندما تستمر في تكرار فعل السلوكيات نفسها حتى تشعر بالسعادة وتخفض الألم.
فمصابوا اضطراب الشخصية القهرية يذهبون للعمل أو التحقق من شيء ما كل ما شعروا بالقلق أو التوتر ويشعرون بتحسن قليييل بعد انهاء المهام.
الاندورفين (الذي يجعلنا سعداء ويخفف الألم) في هذه الحالة يرتفع مما يعني انخفاض التوتر، لكن سرعان ما ينخفض مستوى الاندورفين يتعرض الأشخاص الى مشاعر من القلق والفراغ ورغبة في المزيد.
الجانب المظلم والنظرة المجتمعية للاضطراب
يؤمن المصابون أن هذا هو كيف يسير العالم، الشعور بعدم الرّضى الا مع وجود انجازات كما لو أنهم غير مختلفون وأن الجميع مثلهم، فيعمون جدا بالانجازات حتى يهملوا علاقاتهم الاجتماعية ومشاعرهم.
يصفهم أحد العلماء النفسيين بال "الآلات الحية" لأنهم مع الوقت يصبحون بلا مشاعر.
وأحيانا يسبب هذا الى اكتئاب حاد أو جمود وكل هذا يقود هذه الآلات الى الانتحار، لعدم تحقيقهم للكمال (والكمال لله)
على الرغم من ذلك يمكن القول أن رغم الصراع التفسي الذي يعيشه هؤلاء الأشخاص سواء المصابين باضطراب الوسواس القهري أو أصحاب الشخصيات القهرية، فان مرضهم هو أحد الاضطرابات المُرضى عنها في التاريخ (الناس راضين عنهم)، فبالنسبة لهم أن تجد شخصا مهتما لهذه الدرجة بالتفاصيل، أشخاص نظيفون جدا وأخرون ملتزمون جدا (وهي احدى صفات المصابين بالشخصية القهرية حيث مثلا لو كان أحدهم أستاذ دين ستجده ملتزما جدا بمجاله، لأنه ليس له أي قدر من المرونة فهو يرى أن الحياة تعاش بنسخة واحدة فقط وهي شخصيته
) هذا محبب لدرجة كبيرة! قد يعتبرون اضطرابه به مزايا أكثر من العيوب.


